::: موقع رسالتي - رؤية جديدة في الخطاب الإسلامي :::

>> أقلام نسائية

 

 

تعدد الزوجات بين التحدي والهاجس

بقلم : الدكتورة ليلى الأحدب  

 

 

لا يصح لنا كمسلمين أن ننكر أن ديننا يبيح تعدد الزوجات، لكن في الوقت نفسه لا يجوز للرجل أن يستخدم هذا الأمر المباح كسلاح مسلط على عنق الزوجة، يهددها به متى شاء، هذا إذا آثر التهديد بالتعدد على التهديد بالطلاق!

أعتقد -بداية- أنه في عالمنا العربي أصبح التعدد هو الاستثناء ما عدا في بعض البلدان الخليجية التي ما زالت توجد فيها هذه الظاهرة؛ بحيث يبدو للمتبصر أن السبب الأول هو توافر المال في يد الرجل؛ لأن الذي لا يجد قوت يومه وما يسد به رمق الأفواه الجائعة لن يفكر بزيادة أعباء الحياة عليه، ولذلك فإن النصيحة المتوارثة من الجدات إلى الحفيدات مرورا بالأمهات هي نهب جيوب الزوج وتركه على "الحديدة" و–أو– إغراق بيته بالأطفال بحيث لا يكفي المرتب لأكثر من 15 أو 20 يوما في الشهر؛ وهنا يجد بعض الرجال الحل بأن يتزوج من امرأة أخرى لديها القدرة على أن تكفيه عناء المصروف لكونها موظفة أو ذات مورد، ويتم تطبيق ذلك الحل بالزواج العلني أو بالسري أيا كانت غايته، حتى لو لم يحقق أدنى مستوى من الاستقرار للزوجة الثانية.

عضلات التحدي

 

المشكلة التي نستطيع أن نتابعها من خلال بعض الأخبار والمقالات أن الزواج الثاني صار مجالا للتحدي لدى بعض الرجال وهاجسا لدى بعضهم الآخر، كالخبر الذي قرأناه مؤخرا عن رجل تحدى صديقه أن يتزوج ثانية، فما كان من الصديق إلا أن قبل التحدي شرط أن يوافق الذي بدأ بالتحدي على زواجه من ابنته التي تبلغ من العمر عشر سنوات، ولقد ذكرني هذا الخبر بقصة مريضة من مراجعات العيادة جاءتني وهي بحالة اضطراب نفسي بسبب أن زوجها تزوج عليها، لا لسبب منها، بل لأنه في لحظة طيش قبل تحدي أصدقائه كما فعل الرجل في الخبر.

كيف يكون الزواج مجالا للتحدي والتنافس؟! في الحديث الشريف: «ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح، والطلاق، والرجعة»، فكيف أصبح الزواج هزلا ولا قيمة له لدى هؤلاء؟! أين تبدد مفهوم الميثاق الغليظ؟ وكيف تصبح الأسرة كلها -زوجة وأطفالا- رهينة لنزوات الرجل وشعوره الدائم بحاجته إلى الزيادة في التملك، ورغبته في التفاخر بأن لديه أكثر من زوجة؟

أفهم أن تعدد الزوجات شرعه الله لحل بعض المشكلات الأسرية، كأن تكون الزوجة عقيما ولا تريد الطلاق فيتزوج عليها الرجل لأن من حقه الحصول على الأولاد، لكن أن يصبح التعدد كالهاجس لدى بعض الرجال فذلك صعب على الفهم، خاصة في هذا العصر الذي نالت فيه المرأة حقوقها كاملة في بقاع العالم المتطورة، والتي تنظر إلى التعدد على أنه إهانة للمرأة، وسبب نظرتهم أننا لم نشرح لهم الغاية الحقيقية منه وهي أن التعدد هو حل لمشكلة وليس مشكلة كما يحصل الآن!

مبررات خادعة

عندما نقرأ وجهة النظر الذكورية في الموضوع نجد أن بعض المثقفين -وليس عامة الناس فقط- يدندنون على أحد أسباب التعدد ألا وهو وقوع الرجل في حب امرأة أخرى سوى زوجته، فهم يرون أن هذا سببا لأن يعدد الرجل كي لا يقع في الزنا مثلا، ومع احترامنا لهذا الرأي فإن السؤال المطروح هو: لماذا يقع في الحب من بلغ الأربعين مثلا وهو متزوج بحيث أنه من المفترض وجود المودة -إن لم يكن الحب- بينه وبين زوجته؟! وإذا أدرنا السؤال من وجهة نظر أنثوية بحتة فإنه يصبح: كيف يمكن لرجل يحب زوجته أن يحب امرأة أخرى؟!

من هنا يجب فهم رفض المرأة لزواج زوجها مرة ثانية؛ لأنه يعني لها أن زوجها لم يعد يحبها، وشخصيا أعتقد أن الذكر -لا أقول الرجل- يختلف نفسيا عن الأنثى؛ بحيث إنه يمكنه أن يحب عدة نساء على عدة مستويات، كأن تكون واحدة أحب إليه من أخرى، ولكني أعتقد أن الرجل -ولا أقول الذكر- الذي بلغ مستوى معينا من التحضر والاحترام لذاته لا يمكنه أن يحب سوى امرأة واحدة، فالله لم يجعل لرجل من قلبين في جوفه، وإذا كانت العاطفة تتموضع لدى الرجل في مستوى متأخر عن المستوى الذي تتموضع عليه عند المرأة، فإن الرجل الذي هذبته الحضارة وثقفته الحياة لا يمكنه أن يكون قادرا على تبادل الحب سوى مع امرأة واحدة.

يجب على الرجل عندما يشعر برغبته في التعدد أن يكون صادقا مع نفسه، فيبحث عن السبب الكامن وراء هذه الرغبة، فقد يكون مجرد شعور بالنقص وعدم الامتلاء العاطفي لنقص في الطفولة، وقد يكون انتقاما لكرامته التي جرحتها زوجته، أو استرجاعا لكبريائه المهدر أمامها، أو لأن الحب مفقود بينه وبينها ومنذ زمن بعيد، وهما يخالان أن العشرة والتودد هي الحب، بينما هما في الحقيقة تزوجا زواجا تقليديا، وهو لا يعلم عن زوجته شيئا إلا بعد أن أصبحت زوجته وفي بيته، وحتى إذا وجد الحب بينهما قبل الزواج -وأقصد الحب العذري- فإن هذا الحب غالبا ما يتبخر لسبب ما، قد يكون بسب الأخطاء المتكررة من أحدهما بحق الآخر، وقد يكون لأن المرأة ناسبت الرجل في مرحلة سابقة، ثم مر هو بتجارب حياتية بعيدا عنها، فتطور هو بحكم احتكاكه مع الناس والعالم، وبقيت هي في مكانها، فلا يجد نفسه إلا وقد وقع في حب امرأة أخرى.

هذا ليس تبريرا للرجل ولكنها بعض التفسيرات الاجتهادية، وقد ينجم الحب عن انجذاب وجداني عندما يحصل في مراحل متقدمة من العمر لدى أناس ينطبعون بالشعور بالمسئولية، فإذا وجدوا أن هذا الحب قد يؤثر على أسرهم وزواجهم فإنهم يضعون العقل حاجزا للقلب أن يتمادى، لكن الحب لا ينجم دائما عن تجاذب وجداني، بل هو أساسا البحث عن الذات في ذات أخرى، وهو أكثر ما يحصل في سن المراهقة التي هي سن البحث عن الذات، ولذلك إذا وقع في الحب رجل متزوج ولديه أولاد فهذه مراهقة متأخرة، وهو ما يحصل لدى بعض المضطربين شعوريا والذين يصلون إلى الخمسين وما بعدها، وقد نجد العذر لبعضهم إذا علمنا أن الشعور لديهم متغلب على العقل؛ أما إذا كان من وقع في الحب رجلا متزوجا وهو أستاذ جامعي في اختصاص فكري بحت، ثم نجده يقص علينا حكاية حبه كمراهق لم يدخل دنيا ولم يعرف امرأة فكيف يمكن لنا أن نجد العذر له؟

أحمد لن يتزوج منى

يقول أحد هؤلاء في مقالة له: "تحدث إليها، فوجد مخبرها يوائم مظهرها، وجهها المألوف الذي تغمره السماحة ينطق ببساطتها ورقتها، عاش حياته عفويا مرهف الحس؛ ولذا كان دائما يبحث عن لذاته، ويرى نفسه في البسطاء من الناس، شدته ببساطتها وأناقتها معا، هو يحب الأناقة أيضا، والقلب يعشق كل جميل، لكن المشكلة أنها فتاة في الـ26 من العمر، وهو أطفأ 40 شمعة من عمره المديد السعيد، والطامة الكبرى أنه متزوج، ولديه أربعة أطفال، وربما يطل الخامس في أي لحظة، كان يبحث عن مُناه منذ زمن، وعلى الرغم من إيمانه العميق بالتعدد، فإنه لم يقدم عليه خوفا من عواقبه، بيد أنه شعر أن الزمن يجري، وأنه إن لم يفعلها الآن، فربما لن يفعلها أبدا، أو ربما لن يجد أصلا من الحسناوات من تهواه وتخطب وده".

تنتهي قصته مع من أحبها برفضها له لأنه متزوج، ثم تتزوج بآخر، ولكن زواجها ينتهي بالفشل لأن الثاني كان متزوجا وأخفى عليها ذلك، وكأن الأستاذ الأكاديمي يريد أن يخبرنا أنها أخطأت برفضه هو لأنها لو قبلت به لما وقعت بهذه الخديعة، ونحن نسأل: أليس من حقها أن تختار عزبا؟ أولم تثبت أنها امرأة شجاعة عندما رفضت أن تستمر زوجة لمن خدعها وهو يخدع الأولى بالتأكيد؟

عندما أنهيت تلك المقالة ساءلت نفسي: إذا كان الزواج الثاني هاجسا لدى بعض المستنيرين الأكاديميين، فكيف هو الحال لدى الرجال العاميين أو الطلاب المراهقين؟


طبيبة وكاتبة ومستشارة اجتماعية مقيمة بالمملكة العربية السعودية، يمكنك التواصل معها عبر البريد الإلكتروني للصفحة:

 adam@iolteam.com

المصدر : http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1216208227433&pagename=Zone-Arabic-AdamEve%2FAEALayout

 التعليقات: 2

 مرات القراءة: 2545

 تاريخ النشر: 10/08/2008

2008-08-11

محيي الدين

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أختي الفاضلة الدكتورة ليلى جميل ما تفضلت به ولكن علينا أن نقر ونعترف بأن الدين والمعرفة بأصوله ليست مرتبطة بالأكاديمين الجامعين معرفة ديننا واجب على الذكر والأنثى علماً أننا نجد الكثير من الآكاديمين أصحاب شهادات عالية جداً لا يفقهون سيرة سيد العلم والعلماء محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم من هنا أقول تعدد الزوجات أمر الكلام فيه نوع من أنواع الحروب التي شنها الغرب علينا لإلهاء نسائنا ورجالنا عن حقيقة وجودنا كمسلمين لابد لنا من الثقة من أن الدين أمر إن تمسكنا به كان نصر الله لنا حتمي وكانت العزة لنا ولنسائنا ولأطفالنا من بعدنا جزاك الله كل خير يا أختاه على هذا المقال والسلام.

 
2008-08-11

علا صبَّاغ

المال قد يكون دافعاً ولكنه ليس هو السبب.. فكم من فقير بائس تزوج لمرة ثانية وإذا حالفه الحظ فلمرة ثالثة! ويجادلك ويقول لك لِم لا؟ وأول مثل يضربه أن رسولنا عليه السلام أباح تعدد الزوجات! ألا تعرف عن دينك غير هذا؟ ألا تعرف الآية الكريمة { فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة } (النساء:3) وفي السورة نفسها في موضع آخر، نقرأ قوله سبحانه: { ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم } (النساء:129).. وإذا سألته عن سبب لزواجه للمرة الثانية فلن تجد إجابةً مقنعة! هل تركنا كل الدين وتعلقنا بهذه الفكره؟ صحيح أن الرسول عليه السلام قد تعددت زوجاته ولكنه كان يحمل رسالة.. والأجدر بالرد على هذه الفكرة أنه عليه السلام عندما أتاه علي زوج ابنته فاطمة -سيدة نساء العالمين- وسأله أن يتزوج على فاطمة فرفض قائلاً: "إنما فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها" *** ولعله من حسن حظ الأمة عموماً والمرأة خصوصاً أن أحد علياً بن أبي طالب همَّ بالزواج على ابنته صلى الله عليه وسلم. ففي البخاري ومسلم أن علي بن أبي طالب خطب بنت أبي جهل على فاطمة فبلغ الخبر لرسول الله عليه وسلم فخطب الناسَ على منبره قائلاً: " إنما فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها ". إذاً الفكرة هنا ليست أن الزوجة الثانية التي اختارها علي هي أنها ابنه أبي جهل عدو الله ورسوله.. لا. لأن النبي صلى الله عليه وسلم بشر عكرمة بن أبي جهل بالجنة.. فالمشكلة ليست في من اختار علي ولكن في فكرة الزواج بحد ذاتها. ولو كانت المسألة شخصية لما وقف عليه السلام على المنبر. وإنما فعل ذلك ليقول إنه أمر عام وأنه لا يرضي لبنات المسلمين إلا ما يرضى لفاطمة . وما كان النبي صلى الله عليه وسلم ليميز فاطمة في حكم خطير كهذا عن بقية نساء قومها وهو القائل :"لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" مؤكداً المساواة بينها وبين سواها من الناس. *** ثم أين تقف أيها الرجل أمام "رفقاً بالقوارير"؟ هل بات التعدد فكره لقهر زوجتك الأولى؟ هل مصلحتك وأنانيتك تعلو على الاهتمام بأطفالك؟ أنا لا أرى أن تعدد الزوجات أمراً يدعو إلى التفاخر! بل لا بد أن يكون هناك سبب مقنع لذلك.

 

ملاحظة:
الآراء المنشورة لاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو القائمين عليه، ولذا فالمجال متاح لمناقشة الأفكار الواردة فيها في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
1- يحتوي على كلمات غير مهذبة، ولو كانت كلمة واحدة.
2- لايناقش فكرة المقال تحديداً.

 

 

حسب رقم الفتوى
حسب السؤال
حسب الجواب

 1168

: - عدد زوار اليوم

6545648

: - عدد الزوار الكلي
[ 37 ] :

- المتصفحون الآن

 


العلامة الشيخ محمد حسن حبنكة الميداني


العربيــة.. وطرائق اكتسـابها..
المؤلف : الدكتور محمد حسان الطيان








 
   

أحسن إظهار 768×1024

 

2006 - 2015 © موقع رسالتي ، جميع الحقوق محفوظة

 

Design & hosting by Magellan