::: موقع رسالتي - رؤية جديدة في الخطاب الإسلامي :::

>> أقلام نسائية

 

 

ثلاثة في واحد

بقلم : بتول  

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

{ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}

 

خلق الله عز وجل الإنسان وخلق له نفساً, في بداية خلقه تكون النفس على الفطرة السليمة، ومع مرور الزمن تتغير هذه النفس بفعل صاحبها، أي بحسب اتجاهه وهواه وطريقه الذي سلكه، إما خيراً فخير، وإما شراً فشر والعياذ بالله تعالى.

فالإنسان مجبول على شيئين، فهو قابل للرقي، وقابل للهبوط في الوقت نفسه، وهذا يتوقف على هواه والمحيطين به وما يدخل في رأسه من أفكار، ومدى قربه وبعده من ربه عز وجل، فمنهم من هو كالجبل الشامخ، ومنهم من يطير مع مهب الريح كالريشة.

فإذا سار وفق ما صمّمه خالقه، فنعم عقبى الدار ورضا الغفار، وإن انحرف عن هذا المسار فله سوء الدار وغضب الجبار نعوذ بالله.

وضع الله عز وجل هذه النفس أمانة عندنا، وأوكل إلينا صونها وحفظها، فيجب علينا أن نسمو بها إلى أعلى الدرجات والقرب من الله سبحانه وتعالى، وأن نبعدها عن الردى والنقائص ولو كان في ذلك مشقة وصعوبة: {...وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ} البقرة (45). ولكن عندما يعلم الله عز وجل صدق نيتنا فهو المعين، وسييسّر الهدى واليسرى لنا، فقد قال أحد العلماء الربانيين والله أعلم به: "لم أكن لأجلس معكم هذه الساعة لولا توفيق الله عز وجل وتيسيره ذلك لي".

فإن تركت لنفسك الحبل مرخى ولم تقيدها بقيودها سيطرتْ عليك، وكانت هي الآمرة لك. والنفس إن لم تُضبَط بضوابط الشرع أمَرَت بالسوء والفحشاء والمنكر، واتبعت الهوى وهوت بك إلى أسفل سافلين، فتصبح متّبعاً لهواك وشهواتك في ظلمات المعاصي، لا تنكر منكراً ولا تقرّ معروفاً ولا تبالي. سُئلَ أكبر مجرمي أحد السجون في بلد غربي: قتلتَ نفساً، أفلا يؤنّبك ضميرك؟؟ فكانت إجابته: بلى. في البداية كنت كلما تذكرت الجريمة أتعذب وأعيش في حالة صداع، ولا أكاد أطيق عيشاً، فقلت إلى متى هذا الحال؟ فجعلت أتناسى الأمر وكأن شيئاً لم يكن، وكلما خطرت في لبالي الجريمة أتناسى، وهكذا حتى أصبحت لا أبالي ولو قتلت عدة نفوس، ولكن هذه النفس عندما تصحو قليلاً من غفلتها، وتبدأ تنهى ذاتها عن السوء، وكلما أخطأت تندم وتلوم ذاتها، فتعيش في قلق واضطراب دائمين خوفاً من خالقها تبارك وتعالى تعيش بين إقبال وإدبار، ترقى وتزل أحياناً، فتؤنب صاحبها وتلومه على فعله ومعاصيه، فينيب ويتوب ويستغفر، حتى أن الله عز وجل أقسم بهذه النفس حيث قال:{وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} القيامة (2). صحيح أن هذه النفس تتعب صاحبها وتؤرقه، ولكن من أدمن قرع الأبواب لا بد أن يلج، ومن تمرّغ بالأعتاب سيمن الرحمن علبه بالفرج. وقد قال أحدهم: الحمد لله الذي جعل نفسي ترقى من الأمارة إلى اللوامة، وأرجو منه سبحانه وتعالى أن أرقى إلى النفس المطمئنة.

فبمجاهدة النفس والهوى ينتصر الإنسان على نفسه الخاطئة، وسيحبه الله عز وجل ويهديه. قال سبحانه:{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} العنكبوت (69). حتى يصل إلى أرقى النفوس وأعظمها قدراً عند الله عز وجل، ويا لها من نفس لا ينتهي الحديث عنها، اسمها يوحي بمضمونها، كلها سكينة واطمئنان، قريبة من ربها، مُحِبة له، مُخْبِتة لجلالته، تقية، نقية، زكية، تعيش سعيدة في الدنيا والآخرة بظل طاعة مولاها، تترفع عن سفاسف الأمور، وتسمو إلى المعالي، تركت الدنيا وانشغلت بالآخرة.

فللنفس ثلاث صفات؛ أمّارة بالسوء، لوّامة، مطمئنّة، وأكثر الناس نفوسها أمارة، أما المطمئنة فهي جوهرة ثمينة لا يمتلكها إلا القلة، ودرة مكنونة في حنايا الأجساد الطيبة، ولها جزيل الثواب عند ربها:{ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30)} الفجر. وما تخلّص أحد من شر نفسه إلا بمعونة الله سبحانه وتعالى وتوفيقه وفضله ومنّته. قال تعالى:{وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ} يوسف (53). وقال في حبيبه صلى الله عليه وسلم:{وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً} الإسراء (74). وقال عز وجل:{وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً} النور (21).

وفي كتاب ابن القيم: "وقد انتصبت الأمارة في مقابلة المطمئنة، فكلما جاءت به تلك من خير ضاهتها هذه، وجاءت من الشر بما يقابله حتى تفسده عليها، فإذا جاءت بالإيمان والتوحيد جاءت هذه بما يقدح في الإيمان من الشك والنفاق، وما يقدح في التوحيد من الشرك ومحبة غير الله وخوفه ورجائه، ولا ترضى حتى تقدم محبة غيره وخوفه ورجائه على محبته سبحانه وخوفه ورجائه، فيكون ما له عندها هو المؤخر وما للخلق هو المقدم، وهذا حال أكثر هذا الخلق، وإذا جاءت تلك بتجريد المتابعة للرسول جاءت هذه بتحكيم آراء الرجال وأقوالهم على الوحي، وأتت من الشبه المضلة بما يمنعها من كمال المتابعة وتحكيم السنة، وعدم الالتفات إلى آراء الرجال، فتقوم الحرب بين هاتين النفسين والمنصور من نصره الله، وإذا جاءت تلك بالإخلاص والصدق والتوكل والإنابة والمراقبة جاءت هذه بأضدادها وأخرجتها في عدة قوالب، وتُقسم بالله ما مُرادها إلا الإحسان والتوفيق، والله يعلم أنها كاذبة، وما مرادها إلا مجرد حظها واتباع هواها والتفلت من سجن المتابعة والتحكيم المحض للسنة إلى قضاء إرادتها وشهوتها وحظوظها، ولعمرُ الله ما تخلّصت إلا من فضاء المتابعة والتسليم إلى سجن الهوى والإرادة، وضيقه وظلمته ووحشته، فهي مسجونة في هذا العالم، وفي البرزخ في أضيق منه، ويوم الميعاد الثاني في أضيق منهما".

روى الحافظ ابن عساكر عن أمامة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لرجل: "قل اللهم! إني أسألك نفساً بك مطمئنة، تؤمن بلقائك، وترضى بقضائك، وتَقْنَع بعطائك".

        فنسأله سبحانه وتعالى التوفيق والإخلاص، وأن يجعل نفوسنا مطمئنة إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وألا يجعلنا ممن أغفل قلبه عن ذكره واتّبع هواه وكان أمره فُرُطا.

كَفَـى يا نفسُ  مـا كانـا       كفـاكِ هـوىً وعِصيانـا

كفاكِ ففـي الحشا  صوتٌ       من الإشـفـاقِ نـادانـا

أمـا آنَ المـآب؟ بلــى       بلى يـا نـفسُ قـدْ آنـا

خَطـَوتِ خـطاكِ مخـطئةً       فسـرتُ الدَّربَ حـيرانـا

فـؤادي يشتـكي ذنبـي       ويشكو مـنكِ ما كـانـا

أَعيدي للحـمـى قلبـي       وعـودي .. عودي الآنـا

تَجـاذبني هـوىً وهُـدىً       وقلبي بـعـدُ مـا لانــا

كأنّي مــا سمعـتُ ومـا       رأيـتُ الهَـديَ إذ بـانـا

كـأنّـي صخـرةٌ فمـتى       يـلينُ الصَّـخـرُ إيمـانـا

أرى آلامَ أمـّتـِنــــا       كسقـفِ الليلِ يَغشـانـا

وأمضـي مُغضِيـاً طَـرْفي       وراءَ النـفسِ  هَيمـانـا

نسـيتُ همـومَها فمـتى       أعيـشُ الهَـمَّ إنسـانـا؟

أيا نفْـسـي خبا نَفَسـي       بِضيقِ الصّـدرِ أحـزانـا

ظننـتُ سـعـادتي لهـواً       يُـزيـحُ الهـمَّ سـلوانـا

فلـمْ أزدَدْ  سِـوى هـمٍّ       ولو أضحـكتُ أحيانــا

يسافرُ بالهـوى قـلــبي       لدُورِ الـلهـوِ نَـشوانـا

فتـُـوقِـفُـهُ مَحَطَّـاتٌ       تـَهُـزُّ  عُـراهُ إيمـانـا

ألا فارجِعْ وأَرجِـعْ مــا       مـضى بالقُـربِ أزمـانا

سياطُ التَّوبِ تَــزْجُـرُني       فـأحْني الـرأسَ إذعـانا

وأُطْـرِقُ والحشـا يَغـلي       بمـا أسرفـتُ نِيـرانـا

أصيحُ بتـوبتي نَــدَمَـاً       كفى يا نفـسُ ما كانـا

 

ولْنسمع النداء

يـا نفس

 

 

 التعليقات: 2

 مرات القراءة: 2875

 تاريخ النشر: 16/10/2010

2010-11-09

مخلص

جزاك الله خيراً ، ذكرني كلامك بالشاعر طاهر الزمخشري و قصيدته : إيه يا نفس إلى الله أنيبي ثم توبب و إذا وسوس شيطاني بإثم لا تجيبي القصيدة رائعة جدا كمقالتك الرائعة .

 
2010-10-18

غسان

شكرا ..... بارك الله بك.....

 

ملاحظة:
الآراء المنشورة لاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو القائمين عليه، ولذا فالمجال متاح لمناقشة الأفكار الواردة فيها في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
1- يحتوي على كلمات غير مهذبة، ولو كانت كلمة واحدة.
2- لايناقش فكرة المقال تحديداً.

 

 

حسب رقم الفتوى
حسب السؤال
حسب الجواب

 1175

: - عدد زوار اليوم

6545656

: - عدد الزوار الكلي
[ 45 ] :

- المتصفحون الآن

 


العلامة الشيخ محمد حسن حبنكة الميداني


العربيــة.. وطرائق اكتسـابها..
المؤلف : الدكتور محمد حسان الطيان








 
   

أحسن إظهار 768×1024

 

2006 - 2015 © موقع رسالتي ، جميع الحقوق محفوظة

 

Design & hosting by Magellan