::: موقع رسالتي - رؤية جديدة في الخطاب الإسلامي :::

>> مقالات المشرف

 

 

قبسات من سيرة الزهراء ( 1 )

بقلم : الشيخ محمد خير الطرشان  

 

ولدت فاطمة الزهراء بمكة المكرمة، وكانت رابعة البنات لأبيها، واقترنت ولادتها بحادث تاريخي عظيم؛ إذ ولدت قبل مبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخمس سنوات، وكانت قريش آنذاك تجدد بناء الكعبة المشرفة، ووقع بينهم خلاف فيمن يحوز شرف وضع الحجر الأسود في موضعه، فاحتكمت قريش لأول داخل إلى الكعبة فإذا هو "محمد بن عبد الله"، صلى الله عليه وسلم.
قيمة السيدة فاطمة بين أهلها وأبيها صلى الله عليه وسلم:
استبشر أبواها بولادتها كثيراً، واحتفلا بقدومها احتفالاً مميزاً، على أنها رابعة البنات، على عادة مخالفة لأهل مكة، فقد كانوا يحبون الذكور أكثر من حبهم الإناث، لكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - والسيدة خديجة احتفلا بقدوم الزهراء احتفالاً بالغاً، وكانت أختها الكبرى "زينب" تعاملها وكأنها أم لها بعد موت السيدة خديجة، وقد كانت السيدة فاطمة أحبّ بنات الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى قلبه، يحب هواها ورضاها، ويكره ما يؤذيها، ويشهد لذلك حوار دار بين كلٍ من أبي بكر، وعمر - رضي الله عنهما - والسيدة فاطمة الزهراء الذي يدلّ على مكانة الزهراء عند أبيها. قالت لهما: "ألم تسمعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((رضا فاطمة من رضائي، وسَخَط فاطمة من سخطي، فمن أحبّ فاطمة فقد أحبّني، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني))". فقالا: "نعم. سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم". هذه الشهادة تؤكد على مكانة الزهراء في قلب رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، إذاً.. رسول الله - عليه الصلاة والسلام - يقول في بيان فضلها: "فاطمةٌ بضعة مني، فمن أغضبها أغضبني" صحيح البخاري. ينقل هذا الكلام ابنُ هشام في كتابه (السيرة النبوية)، ويشرح كلامَ ابن هشام الإمامُ السهيلي في الروض الأُنف، فيقول تعليقاً على هذا الحديث: ((ويُستدلّ بهذا الحديث على أنّ من سبّ فاطمة يكفر، وقد سوّى بين غضبها وغضب النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن من أغضب النبي يكفر..)).
بعض جوانب القدوة عند السيدة فاطمة رضي الله عنها:
أ- عملها في البيت:
عانت من شظف العيش، وقسوة الحياة. وإنها على قدرها، وشرف نسبها، ومكانتها من قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد صبرت على الفقر، وعملت في بيتها كسائر النساء أعمالاً خشنة وقاسية، وربما كانت بعض النسوة من الصحابيات الجليلات أرْفهَ عيشاً منها، وأنعم حياة... فكانت - رضي الله عنها - تكنس البيت، وتطبخ الطعام، وتطحن الدقيق، وتعجنه، وتخبزه، وتقوم بشؤون منزلها، وحاجات زوجها، حتى أنها كانت تكسر النوى لفرس زوجها - سيدنا علي كرم الله وجهه - الذي كان فارساً، وما زالت كذلك حتى تقرّحت يداها، وتشققت، وهي التي نشأت في بيت النبوة والرسالة...
لم تنشأ مدللة ناعمة كما تنشأ سائر البنات في عصرنا، وإنما نشأت على الشدة، والقسوة، وعملت حتى تشققت يداها، وأما سيدنا علي فقد كفاها الخدمة خارج البيت، فقال لأمه "فاطمة بنت أسد بن هاشم": "اكفي بنت رسول الله الخدمة خارجاً، وسقاية الماء، والحاج، وتكفيك العمل في البيت". فقد فرَّغَها لخدمة البيت، ولم تكن السيدة فاطمة تعمل خارج بيتها أبداً.
ب- استغناؤها بالله عن الخادم:
سمعت السيدة فاطمة - بعد أن عانت ما عانت من هذه الشدة - بسبايا ساقهنّ المسلمون في إحدى الغزوات، فوضعوهنّ في فِناء أحد المساجد، ينتظرن أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بِهنّ، فقال لها سيدنا عليّ: لو أتيتِ أباك فسألتِه خادماً. فأتته، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "ما جاء بكِ يا بنيّة؟" قالت: "جئتُ لأُسلّم عليك". واستحيت أن تسأله، ورجعت. فأتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغد، فقال: "ما كانت حاجتكِ؟" فسكتت (أدباً وحياءً) فقال عليّ كرم الله وجهه: "أنا أحدّثك يا رسول الله: إنّ فاطمة جرّت، وطحنت بالرحى حتى أثّر في يدها، وحملت القربة حتى أثّرت في نحرها، وكنست البيت حتى اغبرّ ثوبها، فلما أن جاءك الخدم أتت تسألك خادماً تقيها حرّ ما هي فيه".
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والله لا أعطيكما وأدعُ أهل الصّفة تطوي بطونهم لا أجد ما أنفق عليهم، ولكنّي أبيعهم[1]، وأنفق عليهم أثمانهم". مسند أحمد.
فرجعا، فأتاهما النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد دخلا في قطيفتهما[2]، إذا غطّيا رؤوسهما تكشّفت أقدامهما، وإذا غطّيا أقدامَهما تكشّفت رؤوسُهما، فلمّا أحسّا بقدومه، قاما له تعظيماً، فقال لهما: "مكانكما، ألا أخبركما بخيرٍ مما سألتماني؟" فقالا: بلى، فقال: "كلمات علّمنيهنّ جبريل، تسبّحان الله في دبر كل صلاة عشراً، وتحمدان عشراً، وتكبّران عشراً، وإذا أويتما إلى فراشكما فسبّحا ثلاثاً وثلاثين، واحمدا ثلاثاً وثلاثين، وكبّرا أربعاً وثلاثين". هذه هي تربية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لابنته فاطمة على أن تكون قدوة صالحة للمرأة المسلمة، وكذلك نجد سيدنا عليّاً قدوة صالحة للرجل المسلم الذي يحسن معاملة زوجته، يقول سيدنا عليّ رضي الله عنه: "فما تركت تلك التسبيحات منذ سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم".
قيل له: ولا ليلة صفين؟، قال: "ولا ليلة صفين".
هي قدوتكِ فاقتدي بها:
إن خشونة العيش في حياة الزهراء كانت علامة بارزة تدعو كلاً منّا أن يتحمل شدة الحياة، وخاصة المرأة المسلمة، أن تكون عوناً لزوجها، عوناً لأهلها، قدوة صالحة فلا تسرف ولا تبذّر لا في زينة ولا في استهلاك ولا في تسوق، ولا في غير ذلك. بل تجعل من السيدة الزهراء قدوة لها في حياتها... فسيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يعلم أصحابه خشونة العيش وشجّعهم على الجدّ، والعمل وبذل الجهد، حتى أنه لمّا لامست يده مرّةً يد رجلٍ من الصحابة تشققت يداه من العمل، قال له: "هذه يدٌ يحبّها الله ورسوله". يد العامل والمكافح في الحياة، يد من تشققت يداه لكسب المال الحلال ، هذه يد يحبها الله ورسوله.
إذاً..لم يربّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بناتِه على الدّلال والنعومة والتّرفّه في العيش، بل نشأت بناته كأي أسرةٍ أخرى، ليس لها تميّزٌ ولا خصوصية وهذا من عدالته عليه الصلاة والسلام....
 
يتبع / ..
 


[1]أي السبايا.
[2]القطيفة:غطاء النوم.

 

 التعليقات: 0

 مرات القراءة: 3479

 تاريخ النشر: 17/04/2013

ملاحظة:
الآراء المنشورة لاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو القائمين عليه، ولذا فالمجال متاح لمناقشة الأفكار الواردة فيها في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
1- يحتوي على كلمات غير مهذبة، ولو كانت كلمة واحدة.
2- لايناقش فكرة المقال تحديداً.

 

 

حسب رقم الفتوى
حسب السؤال
حسب الجواب


 
النتائج  |  تصويتات اخرى

 447

: - عدد زوار اليوم

2048676

: - عدد الزوار الكلي
[ 37 ] :

- المتصفحون الآن

 


العلامة الشيخ محمد حسن حبنكة الميداني


العربيــة.. وطرائق اكتسـابها..
المؤلف : الدكتور محمد حسان الطيان








 
   

أحسن إظهار 768×1024

 

2006 - 2015 © موقع رسالتي ، جميع الحقوق محفوظة

 

Design & hosting by Magellan