::: موقع رسالتي - رؤية جديدة في الخطاب الإسلامي :::

>> خطب الجمعة

 

 

الحج وأهميته في المجتمع الإسلامي

بقلم : الشيخ محمد خير الطرشان  

خطبة الجمعة المنقولة إذاعياً من جامع بني أمية الكبير

الجمعة: 28/ذو القعدة/1428 – 7/12/2007

عنوان الخطبة:

 "الحج وأهميته في المجتمع الإسلامي"

(أسراره ومعانيه وتجلياته)

الخطيب: الشيخ محمد خير الطرشان

المقدمة:

((إن الحمد لله نحمده، ونستعين به ونستهديه  ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله)) ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً﴾ ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً﴾

أمّا بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوَى الله، وأحثكم على طاعته والتمسك بكتابه، والالتزام بسنة نبيه ومنهاجه إلى يوم الدين....

يقول الله تعالى في كتابه العزيز مخاطباً سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام: (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق، ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات). [الحج 27-28]

أيها الأخوة المؤمنون:

نسمات الحج إلى بيت الله الحرام هبَّت، وأفواج الحجيج سافرت أو بدأت، قاصدةً البلد الحرام والكعبة المشرَّفة والمشاعر المقدسة، لأداء الركن الخامس من أركان الإسلام، الذي فرضه الله سبحانه على هذه الأمة في السنة التاسعة من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: (ولله على الناس حِجُّ البيت من استطاع إليه سبيلا).

إنه الركن الخامس من أركان الإسلام، الذي تمم الله به الشعائر والفرائض العمليَّة، التي هي عُمُد هذا الدين وأركانه.

فالحج فريضة على كل مسلم ومسلمة، اشترط الله سبحانه أداءه على القادر والمستطيع عقلياً وبدنياً ومالياً، أخرج ابن ماجة بإسناد حسن عن عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما، أن رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم:" من الحاج؟ قال: الشَّعِثُ التَّفِلُ. قال: فأيُّ الحجِّ أفضل؟ قال: العجُّ والثجُّ. قال: وما السبيل؟ قال: الزاد والراحلة".

أيها الأخوة المؤمنون:

الحج شحنة روحية وعاطفية ووجدانية للإنسان المسلم، يقصد مكة محرماً، متجرداً من ثيابه العادية، ثياب الصنعة والتزويق والجمال، ويلبس ثياباً فطرية طبيعية، بعيداً عن المظاهر والتكلُّف وصنعة الخياط، وهي أشبه ما يكون باللباس الأخير الذي يرتديه الإنسان وهو يغادر الحياة الدنيا متوجهاً إلى الحياة الآخرة الباقية...

إن مشهد الحاج وهو يرتدي ملابس الإحرام مردِّداً النشيد العلوي الخالد بصدق وإخلاص: (لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك). إنَّ هذا المشهد تتجلى فيه حقيقة العبودية لله تعالى، فكمالُ المخلوق يكمن في تحقيق العبودية لربه، وكلما ازداد العبد تحقيقاً لها، ازداد في الكمالات، وارتقت رتبته، وعلت درجته.

في هذا المشهد تذلُّلٌ لله، وخضوع إليه، وانكسار بين يديه، وما نداء التلبية إلا إعلان للهجرة إلى الله تعالى، تاركاً الأهل والمال والوطن، مقبلاً عليه سبحانه، متجرداً من ثيابه، لابساً إحرامه، تاركاً للطيب عازفاً عن النساء، يؤدي المناسك بقلب خاشع وطرف دامع، ولسان ذاكر، وجهادٍ للنفس وقمع للهوى، وتغلُّبٍ على الشيطان...

أجل إنه جهادٌ لا شوكةَ فيه، جهادٌ  لا قتالَ معه، إلا مع النفس والهوى والشيطان، وبذلك يبدأ المسلم رحلةً جديدة مع مفهوم التغيير في الأنفس: (إنَّ اللهَ لا يغيِّر ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم). [الرعد 11].

أيها الأخوة المؤمنون:

الحج فرصة عظيمة للإقبال على الله تعالى بشتى القربات وأنواع الطاعات؛ إذ يجتمع في الحج من العبادات ما لا يجتمع في غيره، كالصلاة والصدقة والإنفاق والذكر والصوم، ويتفرَّدُ الحج بالوقوف بعرفةَ والمبيت بمنى ومزدلفة، ورميِ الجمار وإراقة الدماء تقرباً إلى الله تعالى.

الحج وسيلة عظمى لحط السيئات ورِفعة الدرجات، لأنه يهدِم ما كان قبله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن العاص رضي الله عنه: (أما علمتَ أن الإسلامَ يهدِم ما كان قبله، وأنَّ الهجرةَ تهدِمُ ما كان قبلها، وأنَّ الحجَّ يهدم ما كان قبله) رواه الإمام مسلم في صحيحه.

الحج أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله تعالى والجهاد في سبيله، سُئل النبي صلى الله عليه وسلم: أيُّ الأعمال أفضل يا رسول الله؟ قال:" إيمانٌ بالله ورسوله. قيل: ثمَّ ماذا؟ قال: جهاد في سبيل الله ، قيل: ثم ماذا؟ قال: حجٌّ مبرور. رواه الإمام البخاري.

والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، كما أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم، وبهذا يرجع الحاج وقد غُفرت ذنوبُه وعاد كيومَ ولدته أمه، قال عليه الصلاة والسلام: (من حجَّ هذا البيتَ فلم يرفُث ولم يفسُق رجَعَ كيومَ ولدته أمُّه) رواه البخاري.

أمة الحبيب المصطفى:

العبادات في الإسلام لها غايات كبرى ونتائج عظمى، وفي مدرسة الحج يتدرب المسلم على الصبر والثبات وتحمُّلِ المكاره ومغالبة الشدائد، كما يتدرب على المساواة والعدالة، فلا فرق بين غني وفقير، ولا أبيضَ ولا أسود ،كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع في أواسط أيام التشريق:

"أيها الناس إنَّ ربكم واحد، وإنَّ أباكم واحد، لا فضل لعربي على أعجمي ، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمرَ على أسود، ولا لأسودَ على أحمرَ إلا بالتقوى..."

يتدرب المسلم في مناسك الحج على مفهوم الوحدة بين المسلمين، فهذه أمة واحدة، آمنت بربٍّ واحد، واتبعت رسولاً واحداً، وأدَّت شعائرَ واحدةً، ولها قبلة واحدة، قرآن واحد ،وهدف واحد، ومنهج واحد، إنها وحدة المشاعر ووحدة الشعائر،ووحدة الهدف والسلوك والعمل التي جسَّدها قول الله تعالى: (إنَّ هذه أمتكم أمةَّ واحدة وأنا ربكم فاعبدون) [الأنبياء 92].

أيها الأخوة المؤمنون:

الحج مؤتمر رباني للأمة الإسلامية، يلتقي فيه أبناؤها من مشارق الأرض ومغاربها بدعوة ملَكيةٍ ربانية، ليلتقوا على كلمة سواء، ويشهدوا منافعَ لهم، ومن أميز هذه المنافع مغفرةُ الله تعالى، كما ورد في الحديث:"إنَّ الله تعالى يباهي أهل السماء، فيقول لهم: انظروا إلى عبادي جاؤوني شُعثاً غُبراً من كل فج عميق، يرجون رحمتي ويخشون عذابي، أُشهدكم أني قد غفرتُ لهم، وأجبتُ دعاءهم، وأعطيتهم ما سألوني، وأعذتهم مما استعاذوني".

إذاً، علينا –أيها المؤمنون- أن نستفيد من هذا المؤتمر السنوي، علينا أن نستفيد من حجنا، ونعلنَ للدنيا كلِّها، أنَّ هذه الأمةَ لا زالت أمةً متمسكةً بالإيمان بربها.. بدينها.. بقرآنها.. برسولها.. بمحمَّدِها، ولن تتخلَّى عن هذا الدين الذي يجمع كلمتَها ويوحِّدَ صفَّها ، وأنها ستقف صفاً واحداً أمام أيِّ عدوان على مقدَّساتها، وأنَّها لن تفرِّطَ في مسجدها الأقصى (مهما عُقِدَت المؤتمرات وحِيكتِ المؤامرات) لأنَّ اللهَ تعالى ربط في القرآن الكريم بين المسجد الأقصى والمسجد الحرام، فقال: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله...) [الإسراء 1].

إنَّ في رحلة الحج درساً عملياً يتلقاه المسلمون، وهو الأمن والسلام، لأنَّ "الحج رحلةُ سلامٍ إلى أرض السَّلام في زمن السَّلام".

أما أرض السلام: فهي الكعبة المشرفة والبيتُ الحرام، الذي قال الله تعالى فيه (ومَن دخله كان آمناً) [آل عمران 97] وقال أيضاً: (وإذ جعلنا البيت مثابةً للناس وأمناً...) [البقرة 125]. فهي أرضٌ محرَّمةٌ لا يصاد صيدُها ولا يُقطَعُ حشيشُها، قال تعالى: (وحُرِّم عليكم صيدُ البَر ِّ ما دمتم حُرُماً...) [المائدة 96].

وأما زمن السلام: فهو الأشهرُ المحرَّمةُ المعظَّمةُ التي تؤدَّى فيها مناسكُ الحج، (يا أيها الذين آمنوا لا تُحلِّوا شعائرَ الله ولا الشهرَ الحرامَ ولا الهديَ ولا القلائد..) [المائدة 2].

فالأشهرُ الحرُمُ جعلَها اللهُ تعالى هدنة إلزاميةً للمسلمين، يُوقَفُ فيها القتالُ، وتُحقَن ُ فيها الدماء، ويُصانُ فيها السلام...

اللهم أكرمنا بالحج إلى بيتك الحرام في هذا العام وفي كلِّ عام، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأقول قولي هذا وأستغفر الله تعالى لي ولكم، فيا فوز المستغفرين.

 

 التعليقات: 0

 مرات القراءة: 4262

 تاريخ النشر: 07/12/2007

ملاحظة:
الآراء المنشورة لاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو القائمين عليه، ولذا فالمجال متاح لمناقشة الأفكار الواردة فيها في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
1- يحتوي على كلمات غير مهذبة، ولو كانت كلمة واحدة.
2- لايناقش فكرة المقال تحديداً.

 

 

حسب رقم الفتوى
حسب السؤال
حسب الجواب

 130

: - عدد زوار اليوم

6328884

: - عدد الزوار الكلي
[ 53 ] :

- المتصفحون الآن

 


العلامة الشيخ محمد حسن حبنكة الميداني


العربيــة.. وطرائق اكتسـابها..
المؤلف : الدكتور محمد حسان الطيان








 
   

أحسن إظهار 768×1024

 

2006 - 2015 © موقع رسالتي ، جميع الحقوق محفوظة

 

Design & hosting by Magellan