::: موقع رسالتي - رؤية جديدة في الخطاب الإسلامي :::

>> مساحة حرة

 

 

الصورة الأوسع لأزمة المآذن

بقلم : محمد الزواوي  

 

يتعرض المسلمون في أوروبا اليوم إلى حملة ممنهجة من أجل طمس هويتهم بهدف دمجهم في الحياة العامة في أوروبا، بعد أن ازدادت أعداد المسلمين في أوروبا وباتوا يشكلون خطرًا مباشرًا على القارة العجوز، والتي أصبح فيها اليوم ما يزيد عن 15 مليون مسلم، منهم ما يقرب من 6 ملايين من أصول عربية، (وإذا أضفنا الاتحاد الروسي فنجد أن عدد المسلمين يتجاوز 50 مليون نسمة)، وهم بذلك يشكلون عددًا كبيرًا في أوروبا التي تتعرض إلى كارثة ديموجرافية تعرضها إلى خطر أن يصبح النصارى أقلية في المستقبل القريب بسبب ارتفاع نسبة المواليد المسلمين مقابل انخفاضها لدى النصارى.

وقد طفت على السطح في الأيام الأخيرة أزمة جديدة من الأزمات العديدة التي يتعرض لها المسلمون حول العالم، والأزمة جاءت في أوروبا ـ معقل الحريات ـ هذه المرة، بعد أن بات المسلمون عرضة للمحن والهجمات في شتى بقاع العالم: في أفغانستان وباكستان وكشمير والعراق وفلسطين والصومال والسودان، بالإضافة إلى الأقليات المسلمة في مختلف أصقاع الأرض.

وأزمة المآذن السويسرية هذه المرة أزمة ليست كسابقتها: فهي أزمة تعبر عن زيادة النفوذ الإسلامي في أوروبا وليس كما يبدو للبعض أنها علامة ضعف، فأوروبا تتحرك هذه المرة من منطق ضعف وليس من منطق قوة، من أجل حماية جوهر كيانها وأساس وجودها والحفاظ على هويتها أمام المد الإسلامي الذي بدا يغزو أوروبا عامًا تلو الآخر.

ولكي تظهر الصورة كاملة يجب أن نعلم جذور الأزمة السويسرية من بدايتها، لذا يجب أن نسلط الضوء على الصورة الأكبر للمعضلة الديموجرافية التي تواجهها أوروبا القارة العجوز، التي لم تعد عجوزًا من الناحية التاريخية والثقافية فقط، ولكن من الناحية السكانية أيضًا.

فأوروبا تتحول يومًا بعد يوم إلى كيان من المسنين؛ حيث تشير الإحصاءات العالمية أنه لكي تستبدل أمة بأخرى، يجب أن تكون نسب المواليد 2.1% سنويًا، وذلك أن أسرة مكونة من رجل وامرأة يجب أن تستبدل باثنين آخرين حتى يتم الحفاظ على النسل، أما الـ 0.1% المتبقية فمن أجل الحوادث والوفيات المبكرة للأطفال وغيرها من الحوادث.

وإذا نظرنا إلى تعداد سويسرا اليوم فسنجد أنه 7.6 مليون نسمة تقريبًا، بنسب نمو في المواليد بمقدار 0.27% بمعدل 9 أطفال لكل ألف، وتحتل المرتبة 203 على العالم ، وهذه النسبة لا تكفي لاستبدال السكان الحاليين بآخرين، مما يعني أن العدد سيظل في تناقص حتى يصل إلى أعداد متدنية للغاية بحلول عام 2050 على الأكثر، وهو ما يهدد وجود الدولة السويسرية التي سوف تتحول إلى طائفة من الشيوخ والمسنين يتلقون رعاية اجتماعية وصحية من مهاجرين يأتون من الجنوب، وهو ما يهدد بتغيير شكل البلاد في العقود القادمة، وتكمن خطورة القضية أيضًا في أن مساحة سويسرا تبلغ 41 كم مربع، بكثافة سكانية 186 نسمة في الكيلو متر المربع.

والنصرانية هي الديانة الغالبة على البلاد، حيث تقسم بين الكاثوليك 41.8% والبروتستانت 35.3%، والمفاجأة أن عمليات الهجرة إلى البلاد قد رفعت نسبة المسلمين إلى 4.3% من عدد السكان، ومعظمهم من كوسوفا والبوسنة وتركيا، ليتخطى المسلمون الطائفة الأرثوذكسية التي يصل عددها إلى 1.8% من عدد السكان. ومن المفيد أيضًا أن نسرد هنا استقصاء للرأي أجرته مؤسسة "يوروباروميتر" عام 2005 والذي وجد أن 48% من السكان مؤمنون، ويؤمن 39% منهم بوجود "روح أو قوة حياة"، و9% ملحدون و4% لا أدريون، في حين أظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة جريلي عام 2003 أن 27% من السكان لا يؤمنون بإله.

ومن المفيد أيضًا هنا أن نعرض إلى النظام السياسي في سويسرا، والذي يعتبر متفردًا من نوعه في العالم، حيث إنه النظام الوحيد الذي يؤمن بالديموقراطية المباشرة وليس الديموقراطية التمثيلية، فبدلاً من اختيار ممثلين عن الشعب يتخذون القرارات والتشريعات نيابة عنهم، فإنهم يعرضون مختلف القضايا على الشعب للاستفتاء العام، ومنها قضية الاستفتاء على بناء المآذن، وهو الاستفتاء الذي حركه اليمين المتطرف في البلاد ، والذي قضى بمنع بناء المآذن في سويسرا بأغلبية 57.5% . ويبلغ عدد المسلمين في سويسرا حوالي 420 ألف مسلم (منهم 40 ألفًا فقط يحملون الجنسية السويسرية منهم 20 ألفًا من أصل سويسري)، وهناك بالفعل أربعة مساجد لها مآذن في البلاد، ويسري قانون حظر المآذن على المساجد الجديدة التي يتم بناؤها في البلاد.

يمكننا بذلك أن نلقي نظرة على المشهد الأوسع لمسألة حظر المآذن في سويسرا، حيث نضعها في إطارها الصحيح: حرب على الهويات غير الأوروبية، وفي هذا الإطار يقول أولرخ شلوير وهو عضو في حزب الشعب السويسري ويقف وراء الحملة الحالية: "إن المآذن هي رمز سياسي وغير ديني، وأن المسلمين في سويسرا لديهم نوايا لتطبيق الشريعة عبر إنشاء مجتمعات مغلقة ومعزولة تسيطر عليها أعراف وتقاليد مختلفة عن القانون السويسري"، .ويضرب شلوير بأمثله عما يعتبره "انتشار الزواج القسري" وانتشار البرقع وختان البنات وغيرها من الممارسات.

وأضاف شلوير في حوار لموقع بي بي سي العربي: "لا نريد أن تصبح سويسرا مثل ضواحي لندن حيث يعيش أكثر من خمسين ألف مسلم في مجتمعات مغلقة. الجميع مرحب بهم في سويسرا، شرط أن يندمجوا في المجتمع ويحترموا القانون والأعراف. نعم للحرية للدينية، لكن هناك قانون واحد."

إن أوروبا تتعرض الآن إلى عملية منظمة لطمس هويتها بسبب قلة معدلات النمو في عدد السكان، وهو ما يمثل تهديد وجودي على القارة الأوروبية برمتها، وبسبب جلب المهاجرين ليقوموا بالأعمال التي يعجز الأوروبيون عن الوفاء بها بسبب نقص عدد السكان في سن الشباب، لذا يريد الأوروبيون دمج المسلمين في حضارتهم وثقافتهم وعدم تفردهم بثقافة خاصة بهم داخل أوروبا، حيث إن الهجرة إلى القارة الأوروبية تمثل معضلة كبيرة تتعرض لها أوروبا تحديدًا على عكس الولايات المتحدة الأمريكية.

إن المآذن برغم أهميتها إلا أنها لا تعدو كونها رمزًا وليس أصلاً من أصول الإسلام لا تقام الشعائر بدونه، إلا أن قضية المآذن تلك يجب أن تفتح أعيننا وآذاننا على قضية أكبر، ألا وهي قضية الدعوة إلى الله عز وجل بين مسلمي أوروبا، فجدران روما ستسقط كما بشرنا النبي صلى الله عليه وسلم (في صحيح مسلم عن أبي هريرة) بالتكبير ـ ربما في إشارة إلى الدعوة إلى الله ـ فهي لن تسقط بالسلاح أو بالمدافع، لذا فإن المسلمين اليوم عليهم دور كبير في تبني قضايا المسلمين في الغرب، وفي تعريف أقلياتنا المسلمة بدينهم، وعلينا دور أكبر بفتح المراكز الإسلامية والمنابر الدعوية هناك، والتي تغلغل فيها الشيعة للأسف الشديد ولديهم العديد من المراكز الدعوية في لندن وألمانيا وغيرها.

إن المسلمين في الغرب أضحوا الآن ورقة هامة يمكن استغلالها في المستقبل القريب في الترويج لحجب القوانين الغربية التي تهدف العدوان على المسلمين، أو في توصيل صورة الإسلام الصحيحة للغرب، ليكونوا جسرًا بين الشرق والغرب في توصيل كلمة الله.

 

المصدر: مفكرة الإسلام

 


 التعليقات: 0

 مرات القراءة: 1575

 تاريخ النشر: 19/12/2009

ملاحظة:
الآراء المنشورة لاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو القائمين عليه، ولذا فالمجال متاح لمناقشة الأفكار الواردة فيها في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
1- يحتوي على كلمات غير مهذبة، ولو كانت كلمة واحدة.
2- لايناقش فكرة المقال تحديداً.

 

 

حسب رقم الفتوى
حسب السؤال
حسب الجواب


 
النتائج  |  تصويتات اخرى

 712

: - عدد زوار اليوم

4195322

: - عدد الزوار الكلي
[ 126 ] :

- المتصفحون الآن

 


العلامة الشيخ محمد حسن حبنكة الميداني


العربيــة.. وطرائق اكتسـابها..
المؤلف : الدكتور محمد حسان الطيان








 
   

أحسن إظهار 768×1024

 

2006 - 2015 © موقع رسالتي ، جميع الحقوق محفوظة

 

Design & hosting by Magellan