::: موقع رسالتي - رؤية جديدة في الخطاب الإسلامي :::

>> أقلام نسائية

 

 

رد على فتوى شيخ الأزهر بجواز إجهاض المغتصبة..

بقلم : الدكتورة أماني أبوالفضل فرج  

 
الدكتورة أماني أبو الفضل فرج
مديرة مركز المصري لرصد أولويات المرأة
 أقر شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي جواز إجهاض المغتصبة في أي وقت، دون التقيد بمدة، كما نقلت ذلك صحيفة الأهرام المصرية الثلاثاء 4 من ديسمبر، فقال فضيلته: "إن الإجهاض هنا يندرج تحت مبدأ ‏(الحق‏)‏ الذي يجيز قتل النفس البشرية‏؛‏ وهو استثناء لا يتجاوز حالة المغتصبة إلى غيرها ممن ترتكب جريمة الزنا‏ وتحمل سفاحا، مشترطا أن تكون ضحية الاغتصاب قد بذلت ما تستطيع للدفاع عن نفسها‏‏ والحيلولة دون أن ينال منها الجاني‏.‏
 
 ولعل اعتراف مولانا الصريح بأن الجنين هنا هو نفس بشرية "مكتملة"، وأن الإجهاض هنا هو عملية قتل "مكتملة" أيضا، وتحتاج إلى "حق" لتنفيذها قياسًا على القصاص الشرعي قد وفر علينا الجدل في هذا الأمر.
 
سد وفتح الذرائع
 
         وهنا أرى أن الردود التي أوردها مجمع البحوث الإسلامية وجمهرة من العلماء الغيورين -جزاهم الله خيرا- لوأد هذه الفتوى الكارثية -قبل أن ترى النور وتتحول إلى مبدأ دستوري تحتمي فيه الساقطات وبنات الليل وبائعات الهوى اللاتي سيتحولن كلهن إلى مغتصبات والبينة على من ادعى عكس ذلك- كانت كلها ردود تجادل في إثبات أن الجنين المعين في الفتوى هو نفس بشرية محترمة وأن إجهاضه قتل، مستعينين في ذلك بالأحاديث النبوية. ولكن ما لم ينتبه إليه العلماء المتصدرون بالاعتراض أن القول ببشرية الجنين وأن إجهاضه قتل هي حقيقة لم ينكرها صاحب الفتوى نفسه. وبذلك تعود الردود إلى نقطة "محلك سر".
 
         وعليه فإن الزاوية المطلوب الرد عليها في هذه الفتوى هي ليست في إثبات بشرية الجنين المعين في الفتوى (لاعتراف صاحبها بها)، ولكن هي في مناقشة إثبات "الحق" في قتله، حيث اعتمدت فيه الفتوى على "فقه الذرائع" والذي منه قاعدة سد الذرائع في حال الخوف من وقوع مفسدة أو -كما في هذه الحالة- قاعدة فتح الذرائع وتسمى (الوسائل) والتي اشترط المشرع أن تكون المصلحة المتوسل إليها مصلحة شرعية لا مصلحة هوى وتشهٍّ.
 
 وعليه تحاول هذه القراءة مطابقة هذه الفتوى بمقاصد فتح الذرائع.
 
 يبني مولانا هذا "الحق" في قتل النفس البشرية على ثلاثة مسوغات أو ذرائع احتوتها الفتوى نصا وروحا:-
 
 
 دفع الأذى المعنوي عن المولود البريء الذي سيلحق بهالعار.
 
 دفع الأذى المعنوي عن الأم البريئة التي سيلحق بها أيضا العار.
 
 دفع الأذى المادي عن المجتمع ممثلا في العبء الاقتصادي من جراء امتلائه بأطفال شوارع لا نسب لهم.
 
         أما الذريعة الأولى: فتلاقي هوى على المستوى الإنساني لدفعها ببراءة الضحية وعدم اشتراكها في الذنب، ولكن هنا يبرز الصراع الأيديولوجي الأزلي بين المنهج الإلهي ومنهج الفلسفة الإنسانية "Humanism" الذي يقود الفكر ومركز القرار الغربي منذ مطلع الستينيات بعد انهيار الكنيسة في أوروبا، وها هي بدأت إرهاصات تسلله إلى الشرق المسلم ممثلا في رأس القرار فيه ألا وهو شيخ الأزهر الشريف!
 
 تعتمد هذه الفلسفة المبدأ "الأخلاقي"ethical بمفهومه الإنساني الذي ينطلق من العقل rational كبديل للديني والإلهي (يرمزون إليه بالغيب) في وضع التصورات حول حياة الإنسان وحل مشكلاته، وهي ترفض تماما تدخل العقائد في تسيير أمور البشر فهي فلسفة إلحادية، أو عند أقل الغلاة من أتباعها هي فلسفة علمانية.
 
 وقد يبرز الدين لأول وهلة في هذا الصراع بينه وبين الفلسفة الإنسانية كمنهج فيه قسوة وغير عابئ بالطبيعة البشرية، خصوصًا في قضايا بعينها مثل قضايا الحريات الجنسية والإجهاض وإقرار عقوبة الإعدام وإقرار مبدأ رصاصات الرحمة على الميئوس من شفائهم.. وغيرها من الحالات التي تميل النفس البشرية إلى القول بالتدخل فيها لصالح الرحمة.
 
         ولكن، هل تسلل هذا الشك في رحمة الله إلى المؤمنين أيضا؟!
 
 إن المؤمنين اعتادوا على التسليم بقضاء الله والثقة في أن رحمته وسعت كل شيء حتى إن بدت للعيان عكس ذلك، وهم يبنون حياتهم على قاعدة {فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً}[النساء:19]. والخير لديهم قد يكون مرئيا أو غير مرئي، دنيويا أو أُخرويا، ولذلك لا يتفهم هذه القاعدة أصحاب المذهب الإنساني الملحد الذي لا يقر بوجود آخرة من الأصل.
 
 
 
اجتهاد فاسد
 
         والخطر في الفتوى يكمن في أن أي قياس فقهي صحيح مكتمل الأركان يعتمد على العلة والحكمة في إيقاع الحكم على المبدأ المُقَاس عليه (أي قتل أبناء الاغتصاب لمنع الضرر النفسي) سيقر بناءً على فتوى مولانا بجواز قتل أي جنين في أشهره الأخيرة أو مولود حي بعد ولادته أو في أي مرحلة من عمره إذا ما اكتشف ذووه إصابته بداء العته المغولي أو الانفصام مثلا، أو كان توءما سياميا متحد الأعضاء الحيوية وغير قابل للفصل، أو أي تشوه نفسي أو عقلي أو جسدي يعرضه لأذى معنوي ومادي مؤكد لا يقل عن أذى مجهول النسب.
 
         بل أكاد أذهب أبعد من ذلك بالقول: إن الأذى المعنوي لمجهول النسب يكاد يكون غير مؤكد بنفس درجة المعاقين عقليا وجسديا، إذ بإمكان ابن الاغتصاب أن يهاجر من مدينته أو حتى من حيه إلى حي آخر لا يعرف بقصته أحد، فكم من مجهولي النسب يعيشون بيننا بأسماء لا نتبين زيفها وهم يعملون وينتجون وينجحون ويحرصون على أسرهم حتى لا تتكرر مآسيهم، إذن فعِلّة الأذى هنا غير مؤكدة.
 
         ولا نحتاج إلى تذكير مولانا وهو الأعلم بأن القتل بصفة عامة هو أكبر الكبائر بعد الشرك بالله وموجب لخلود القاتل في النار؛ ولذا قد تم حسم مسوغاته أو "حقوقه" مع التنزيل الجليل قرآنا وسنة فيقول المصطفى صلى الله عليه فيما يروي عنه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة". [رواه البخاري ومسلم] ولم يرد في الحديث حق القتل لإراحة النفس المعذبة، فلمَ الاجتهاد فيما فيه نص؟!
 
         وما ينطبق على القاعدة العامة لقتل النفس ينطبق على قتل الأجنة بعد النفخ؛ وبذلك يتضح أن هذا الاجتهاد الفاسد من فضيلته بجواز قتل أبناء الاغتصاب هو حكم لا مجال فيه للاجتهاد ابتداءً؛ لأنه ليس عارضا ولا مستحدثا على الأمة، ولكنه كان موجودا في عصر التشريع ولم نر في أي من السنة النبوية قولا أو عملا أو تقريرًا ما يؤيد هذا الحكم بقتل أبناء الزنا سواء كان هذا الزنا اختياريًّا أو قصريًّا.
 
 فهل هذا تطبيق صريح لعلمانية المذهب الإنساني الذي يزيح النص الإلهي لمصلحة الأخلاق كما تصورها عقل فضيلته؟
 
 
 
من يتحمل وزر غفلتها؟!
 
         أما عن الذريعة الثانية لإطلاق هذا الحق بالقتل: وهو ما يقع على المغتصبة من عار لا ذنب لها فيه، فهنا الحديث يطول، فبغض النظر عن تعريف المغتصبة وهل دفعت الأمر عن نفسها ما استطاعت، وهل لم تكن داعية إليه -حتى بغير قصد- بلباس متبذل أو سير مثير أو صداقات مشبوهة أو تواجد في مكان وزمان غير آمنين مما تعتبره النساء من المعروفات الذهنية لا عذر لمن لم تحترز فيها!
 
         وفي حال براءة الأنثى المغتصبة من كل هذه العوامل وأنها فعلا مجني عليها كحالات اختطاف الإناث من أيدي أزواجهن في وضح النهار، فهنا يكمن سؤال آخر وهو: ما الذي جعل المغتصبة تتأخر في اكتشاف الحمل والتنبؤ باحتمال حدوثه نتيجة حتمية لمواقعة رجل لها، مع إتاحة إمكانات الطب الحديثة من تحاليل وأشعات صوتية شبه مجانية في المستشفيات العمومية والخيرية تكشف الحمل في أيامه بل ساعاته الأولى؟!
 
         أي غفلة تلك التي تجعلها لا تدري أنها حبلى حتى تتم الشهر الخامس والسادس خاصة وهي في حال توجس بسبب الاغتصاب؟ ومن يتحمل وزر غفلتها هي أم الابن البريء؟!
 
         إن من تتعرض لاغتصاب تكون في حالة ترقب من أول يوم لأي عرض غير طبيعي ينبئ عن هذا الحمل الكارثي. وعندئذ ستتعاطف معها جهات عدة يكون الإجهاض من خلالها غير متصادم مع الشريعة لحدوثه في مدة السماح وهي أربعة أشهر على الأوسع أو أربعون يومًا على الاحتياط.
 
         وبهذا يتضح بعد غربلة الحالات أن من تجتمع لديهن شروط الإكراه في الاغتصاب والغفلة في اكتشاف آثاره لن تتعدى أن تكون إما طفلة أو معاقة ذهنيا أو امرأة أذهلتها الصدمة النفسية كل هذه الشهور، وهي حالات في مجملها لا تتعدى أصابع اليد الواحدة، ولن تكون عشرين ألفا في العام، كما ورد في الإحصائيات المجهولة النسب التي أعدتها سلفا جمعيات المجتمع المدني المؤيدة للإجهاض لتعضض بها هدية مولانا القيمة لها بمناسبة الأعياد!
 
         إن ما توقعه المجتمع المدني المؤمن والنظيف من مولانا من هدايا إفتائية لوقف ظاهرة الاغتصاب هو ليس بمعاقبة البريء بأشد الأحكام ضراوة وهو الحكم بالإعدام، بينما الجاني يرتع حرًّا طليقًا في انتظار الضحية التالية، ولكن بإصدار فتاوى ملزمة بوقف المثيرات في الشوارع والإعلام ومنع التفسخ في الملبس في الطريق العام حتى إن اتخذ شكل حجاب! وليتم هذا فورا وبنفس الذريعة التي منع بها الغرب الحجاب في شوارعه.
 
 وأن يصر على إقامة حد الحرابة (الإرهاب بلغة العصر) بيديه على أول مغتصب تثبت عليه التهمة بنفس القوة التي ينفذ بها الغرب حد الحرابة على من يشتبه في إرهابيتهم في بلاد المسلمين بالقتل الجماعي!
 
 
 
دفع المفسدة أولى
 
         ونصل هنا إلى قاعدة أخيرة للرد على الذريعة الثانية وهي أن هناك –ومولانا الأعلم- قاعدة شرعية تقول: "إن دفع المفسدة مقدم على جلب المنفعة"، وعليه فإن علينا موازنة هذه الفتوى بين ما تعود به بالنفع على عشرات الضحايا وبين ما تساهم به في الإضرار بملايين من أبناء الأمة الذين باتوا في كرب من حالة التحلل الخلقي وفساد الشارع؛ وذلك لأن هذه الفتوى بلا شك ستحمي المنحلين وتقدم لهم الخلاص هدية على طبق من فضة مما يشجع من امتنعت خوفا من سوء العاقبة.
 
         ونصل إلى الذريعة الأخيرة المتصلة بقتل هذه الأنفس المحرمة، وهي دفع الضرر الاقتصادي عن المجتمع، وهنا لا يمنع المرء نفسه من استدعاء التجربة النازية حين أمر أدولف هتلر في أثناء الحرب العالمية الثانية واحتياج ألمانيا للموارد الاقتصادية بالتخلص بالقتل الرحيم من المعاقين والمسنين الذين لا فائدة لهم في المجتمع، وكانوا عبئا اقتصاديا واجتماعيا في وجه التقدم المنشود.
 
         لقد كان هتلر إفرازا طبيعيا لفلسفة داروين -الذي كان يعشقه هتلر- وفلسفة نيتشه الطبيعية Naturalism القائمة على نظرية الانتخاب الطبي Natural Selection ، والتي منها انبثقت مقولة "البقاء للأصلح" أي لا مكان في هذه المجتمعات للضعيف جسديًّا ونفسيًّا وأن التخلص منه لا يكون إلا بالقتل.
 
         إن هاتين الفلسفتين؛ الداروينية والطبيعية كانتا الأب والأم الروحيين للنازية والفاشية والستالينية الذين تسببوا في مذابح القرن العشرين في أوروبا في الحرب الأولى والثانية، حيث قتل في كل منهما حوالي 60 مليون نسمة باسم البقاء للأصلح. وهما ملهمتا المحافظين الجدد اليوم في محاولتهم الهيمنة على العالم.
 
         وها هو مولانا يستدعيهما للشرق المسلم ليقتل أبناءه –حتى لو كانوا أبناء شوارع- بنفس الذريعة، بدلا من العمل على منع قدومهم إلى الحياة من الأصل (بهذا الطريق غير الشرعي) وذلك بنشر ثقافة العفة أو إدماجهم في المجتمع -إذا ما قدر الله لهم أن يأتوا برغم الجهود- بنشر ثقافة الرحمة والتكافل.
 
 
 
دعوة لقتل غير مبررة
 
         إن هذه الفتوى هي دعوة لقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وهي غير مبررة لا بفقه الذرائع ولا فقه الواقع ولا مقاصد الشريعة ولا قاعدة المصالح المرسلة، ولا أي قاعدة إسلامية أو غير إسلامية، بل هي نوع من هذا الفقه التسويغي الجديد لخدمة التوجهات القيمية العولمية المستهدِفة للعالم الإسلامي اليوم.
 
         فإن كان مولانا يعلم السياق الذي أُستدرِج فيه لإصدار هذه الفتوى ومدى صلتها بما قبلها وما بعدها من بنود الأجندة الدولية فهذه مصيبة، وإن كان لا يدري فهذه مصيبة أشد!
 
         إن هذه الفتوى ليست فتوى مفردة يؤجر صاحبها إن أصاب وإن أخطأ، ولكنها ناقوس خطر لمدرسة جديدة في الفكر الديني وفقه جديد جاء لخدمة سياق معين وهو ما سنفرد له مقالا كاملا بعنوان "فقه السياق" ينشر لاحقا بإذن الله.
 
 
 

 التعليقات: 0

 مرات القراءة: 2470

 تاريخ النشر: 22/01/2008

ملاحظة:
الآراء المنشورة لاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو القائمين عليه، ولذا فالمجال متاح لمناقشة الأفكار الواردة فيها في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
1- يحتوي على كلمات غير مهذبة، ولو كانت كلمة واحدة.
2- لايناقش فكرة المقال تحديداً.

 

 

حسب رقم الفتوى
حسب السؤال
حسب الجواب

 1184

: - عدد زوار اليوم

6545665

: - عدد الزوار الكلي
[ 44 ] :

- المتصفحون الآن

 


العلامة الشيخ محمد حسن حبنكة الميداني


العربيــة.. وطرائق اكتسـابها..
المؤلف : الدكتور محمد حسان الطيان








 
   

أحسن إظهار 768×1024

 

2006 - 2015 © موقع رسالتي ، جميع الحقوق محفوظة

 

Design & hosting by Magellan